الخشوع في الصلاة – وصفة جديدة؟

رأيت بوست على الفيس عن الخشوع في الصلاة، نشره  أكثر من شخص  أعرفه…. وما بدأ كتعليق بسيط تحوّل إلى بحث طويل، فقررت أن أكتبه هنا حتى لا يضيع.

“الخشوع” قد تكون أكثر كلمة نسمعها عند التحدث عن الصلاة… وهذه الكلمة بالذات قد تكون أبعد كلمة موجودة عن صلاتنا… لا نسمع أحد يشتكي من وضوءه أو مكان طاهر أو هادئ مثلاً… لا بل الجميع يشتكي من عدم “إحساسه بالخشوع” وهو يصلي…

ومن هنا ينبع السؤال الدائم: “كيف أصل إلى الخشوع في صلاتي؟؟

يقول آينشتاين -بما معناه- أنه من الجنون الاستمرار بنفس العقلية وتوقّع نتائج مختلفة. ونحن المسلمون دائماً نفتخر أن ديننا دين عقل (ما بعرف على شو والعقل منا بريء والاسلام كذلك).

قرأت هذا الجواب اليوم:

“الخشوع في الصلاة هدية يمنحها الله للعبد الذي لزم الطاعات سائر اليوم وصان نفسه عن المحرمات، فينعم ربه عليه بذهن حاضر متعلق بالله في الصلاة يدرك عظمة من هو واقف بين يديه. استيعاب ذلك يساعد على الخشوع: أنه جائزة تحصلها بالطاعة، أكثر من كونه تكليفا تبذل له جهداً.”

وأظن أنه جواب تقليدي جداً يشابه معظم الأجوبة التي نسمعها….

لكن سؤالي أنا …. ما هو الخشوع أصلاً؟؟! هل هو البكاء والتباكي؟ هل هو أن “تستشعر بعظمة الله”؟ هل هو الشعور بالخوف الفيزيولوجي مع ما يرافقه من وقوف لشعر الجسم؟ هل هو مرتبط بالصلاة فقط أصلاً؟
ماذا أفعل بهذه الآية:  ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)) ؟؟ ألم أدخل بحلقة مفرغة إن كانت الصلاة لا تصح إلا بخشوع يحتاج إلى طاعة الله، والتي تحتاج بدورها إلى طاعة الله قبلها؟!

بحثت عن هذه الكلمة… فكان مما وجدته مرتبطاً بهذا المصطلح:
“ربما قرأ آيات ليس فيها مزيد وعد ولا وعيد، وترى هذا خاشعاً منكسراً مبكياً ” فالربط هنا كان مع البكاء (والانكسار؟!) وخاصة عند سماع آيات عن الثواب والعقاب الإلهي.
“هل هوَ خشوعٌ أم تلبدُ حِسٍ؟”
“أن يصلي وقلبه غير خاشع”
“هذا القلب خاشع يشعر بالحب”
 العين تدمع، الوجه يُشرق، الجلد يقشعر، الأعصاب تضطرب, هل يبكي الإنسان من ذِكر الله؟”
“الخشوع هو انخفاض الرأس مع الشعور بالذلِّ لله عزّ وجل”
“خمودُ نيران الشهوة”
“تذكر الموت في الصلاة”
كما تكرر أن أهم سبب للخشوع في الصلاة هو طاعة الله قبل الصلاة.

وهو كله منسجم مع الفهم المنتشر للخشوع وما يرافقه من وصفات علاجية لتحقيقه.


لكن بالبحث المتعمّق، والتحقق من المصادر وصحة الأحاديث، والنظر في الأصول اللغوية للمصطلح، وبإعمال العقل والتحرر من التقليد الأعمى، ربما سنجد شيئاً آخر:

“الخشوع بلسان العرب هو الهبوط إلى الأرض. ويعد ذلك إشارة على الخضوع والذلة، ولكنها أيضاً مرتبطة بالأرض، فالأرض الخاشعة هي الأرض غير الخضراء التي تثيرها الرياح (والمطر) فتغيّرها… قال تعالى: ((ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت)). ويعني ذلك أنها مستعدة للتغيّر، جاهزة للتفاعل مع المعطيات الجديدة. فالتغيّير صفة ملازمة للخشوع.

لذلك الخشوع في الصلاة هو في حقيقته تغّير عبر الصلاة، تغيراً داخلياً عميقاً، يكون أحياناً (أحياناً فقط) مؤلم لدرجة البكاء.

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- استطاع أن يجعل من اقامة الصلاة أداة لتغيّير العالم، لقد فهمها ووعاها حقاً كما يجب أن تكون… فقد قال “إني لأجهز الجيوش في صلاتي” ! ومعنى ذلك إني أغيّر العالم في صلاتي!!

لذلك فقد كانت اقامته للصلاة مختلفة تماماً عن كل تصوراتنا للصلاة، ارتقى عن مفهوم الفرض المجرد، والسكينة والراحة والخشوع المعزول عن الواقع… انتقل بصلاته إلى أن تطابقت مع رؤيته القرآنية للحياة، دوره في هذه الأرض، دور الخليفة.”

منقول بتصرف من كتاب “كيمياء الصلاة” للدكتور أحمد خيري العمري


هذه الرؤية متناقضة تماماً مع النظرة التقليدية التي ترى أن الخشوع “جائزة تحصلها بالطاعة، أكثر من كونه تكليفا تبذل له جهداً”، الخشوع في حقيقته هو العكس تماماً…
الخشوع هو دخولك في الصلاة بنية تغيّير نفسك، أن تخشع نفسك لأمر وكلام الله، تفهم ما تقرأه في صلاتك، وتسقط ذلك على نفسك وواقعك، وتفكر في يومك وكيف تطبّق تعاليم الاسلام فيه.

الخشوع هو تكليف تبذل عليه جهداً، وليس جائزة تحصلها بالطاعة على الإطلاق !!! 


لماذا وصلت النظرة التقليدية إلى هذه السطحية بتفسير أمر نفعله كل يوم خمس مرات على الأقل؟؟؟!! أظن أن الأمر يتعلّق بفهمنا للصلاة والهدف الإلهي من فرضها (وتعالى الله عن أن يفرض علينا شيئاً دون حكمة).
كتاب كيمياء الصلاة يستفيض في هذا الموضوع… يصف الصلاة بدورة تدريبية إلهية للفرد المسلم ليحقق دوره في خلافة الله في الأرض. ويزعم الكاتب أنه  من غير الممكن تغيير مجتمعنا ولا تحقيق النهضة إلا عن طريق الصلاة!

“كان عمر يجهز جيوشه من خلال صلاته…
هل حدثتك نفسك أن تغيّير العالم وأنت في صلاتك؟ أم هل قالوا إن ذلك سيفسدها؟
أم أن الأمر كله ليس وارداُ لأنك إنسان الحد الأدنى الذي لا يتصوّر أن بإمكانه فعل شيء لنفسه أو للمجتمع؟
أم أنها محض صلاة تؤديها لتنجو من عقاب تركها، ولا تعرف سبباً لأدائها غير ذلك؟”


المصادر:

كتاب كيمياء الصلاة

البوست يلي شفته عالفيس

مقطع مؤثر ـ كيف الخشوع في الصلاة ـ الشيخ صالح المغامسي
https://www.youtube.com/watch?v=kpAsiVOmblE

الخشوع
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

Advertisements

Published by

Angel Anas

http://about.me/anas.shahrour

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s