نظرتنا لغير المسلمين

لدينا نظرة طفولية سطحية جداً، نظرة الأبيض والأسود.
المسلم فيه خير، غير المسلم كافر أناني ولا يصدر منه إلا الشر!

نرى كل ما يحدث مؤامرات، أو سياسة قذرة لإخفاء النوايا والمصالح المبطنة.  من مؤتمرات دولية، إلى الكلام عن حقوق الإنسان. كلها تمثيليات!
العامي البسيط (المتأثر بالفكر الاستبدادي العربي أو كلام بعض المشايخ) يظن أنهم كلهم متآمرين ضدنا، بينما المثقف يظن أنهم مجرد أنانيين يركضون وراء مصالحهم الشخصية. لا نفرق بين شعب غربي، وبين حكومته، وبين جيشه، وبين أحزابه. ولا أن بين وداخل كل هذه الفئات صراعات دائمة، تماماً كما أن هناك صراعات عندنا بين فئات المجتمع، وبين الشعب والسلطة، وبين رجال السلطة نفسهم.

لا أحد -تقريباً- ينظر إليهم كمجتمع… مجتمع فيه المؤمن بالله (ولو كان إيماناً مشوّهاً)، وفيهم النشطاء الإنسانيين، وفيهم اليهودي الذي يدافع عن الفلسطينيين، وفيهم المسيحي الذي يساعد المسلمين، وفيهم من يقضي عمره في قضية خير يؤمن بها (وبيننا بالمناسبة الشبيح والبلطجي والسجّان والمستبد والمعذّب والإرهابي وغير ذلك)

بل ننسى أن كثير من هؤلاء باحثين عن الحق.
هذا الذي تراه كافراً اليوم، قد يكون مؤمناً غداً فيدخل الجنة. بينما يمكن لك أن تكتشف أن حياتك كانت ملئية بالمعاصي والرياء فتدخل جهنم!

ننظر إليهم نظرة استعلاء. نحن مؤمنين وأنتم لا !!
ولكن هل شرط الفلاح هو الإيمان فقط؟ أم عمل الصالحات شرط ملازم له؟
يمكن له في ليلة أن ينقلب إلى مؤمن فيمحي الله جميع خطياه السابقة. ولكن هل يمكنك يا ترى في ليلة واحدة أن تعوّض حياة ملئية بعمل غير الصالحات؟ حياة مليئة بصلاة فارغة لم تأمرك بالمعروف أو تنهك عن المنكر أو تدفعك لعمل الصالحات؟ ثم هل سيشفع الاسلام لك، أم سيكون حجة عليك حين يسألك الله لماذا الخير والإنجازات العلمية والطبية والإنسانية في زمانك كانت على أيدي غير المسلمين؟

كما ننسى أن نظرة الشعب الغربي لنا -في معظم الأحيان- ليست نابعة عن أنانية ولا شر. وإنما عن خوف وجهل ناتج بشكل أساسي عن تقصيرنا في الدعوة والإعلام، وعن أفراد منا فعلوا ما فعلوه من مصائب باسم الدين.

بل فضلاً عن ذلك، ننسى أن الإنسان ليس كائناً ذو بعد واحد. أن الإنسان كائن مليء بالتناقضات أحياناً، تناقضات قد تجعل شخص مثلاً يدعم الحرب في العراق، ولكنه يقوم بصدق بمساعدة الأطفال في افريقيا. أن يزني ويشرب وحتى ذو أخلاق سيئة، ولكنه يرتاد أسبوعياً الكنيسة أو معبده الذي يأمره بخلاف ذلك.
وليس ذلك بغريب عن المليار ونصف مسلم المليئين بالتناقضات بالمناسبة!

بالنهاية الوضع كالتالي: هناك صراع بينهم… طرف يجر الحبل لمصالحه الشخصية (أو لمصالح فئة معينة)، وآخر يجرها للخير والمصلحة الإنسانية.
فهل ستساعدهم وتحاول رجح الميزان للطرف الذي يرضي الله تعالى؟

الخطوات العملية للمشاركة في القضاء على الفقر العالمي

“ماذا أفعل أنا؟”

هذا هو السؤال الأهم دائماً.

( اقرأ الأجزاء السابقة من المقال: الجزء الأول الثاني الثالث )

“اقتنعت، ولكن ما هي الخطوات العملية؟”

سأبدأ من الأبسط، وهو نشر الفكرة.
لا فائدة إذا بقيت هذه الأفكار في دائرة ضيقة، بيني وبينك فقط.

بدأ الموضوع يحقق ضجة اعلامية عالمية، ولكن لم تصلنا لأن أخبارنا مشغولة بمشاكل أخرى (وهو أمر مفهوم). وخلال الأيام القادمة ستنطلق حملات اعلامية ضخمة عالمياً، لمحاولة إيصال الأهداف العالمية الجديدة لأكبر قدر ممكن من السبع مليارات إنسان.

بإمكانك المساعدة في ذلك عبر نشر هذا المقال.
ما أخذ مني أياماً لكتابته، يأخذ منك بضع ثواني فقط لنشره!

ثم بإمكانك نشر صورة تدعم الأهداف العالمية كما هو موضّح هنا

بإمكاننا استغلال أيام العيد القادمة  لنشر الأهداف العالمية والتحفيز عليها خلال زيارات العيد وما تحويه من نقاشات سياسية ودينية. كما يمكن لنا حث الخطباء (في بعض البلدان) للحديث عن الموضوع في خطبة العيد، وخطب الجمعة بعد ذلك. 

بالنسبة للمهاجرين إلى الغرب، تأثيركم أكبر على العالم، فكما تعلمون نظرة الغرب السلبية لنا، يمكن أن نحاول تحسينها (قليلاً) في حال خرج المهاجرين واللاجئين في أوربا (بصورة خاصة) في وقفات داعمة لهذه الأهداف العالمية. عسى أن نستطيع تشكيل ضجة اعلامية حول ذلك، تعطي العالم انطباعاً أفضل عن انسانيتنا. ويمكن أن تكون هذه الوقفات بعد صلاة العيد، لاستغلال العدد الموجود. كما أن ذلك سيساهم في موضوع النشر والتوعية بين المسلمين أيضاً. 

———————————————————————————————————-

الأمر الثاني -بعد نشر والتوعية حول الأهداف العالمية- هو الانضمام بالمشاركة العملية. هناك الكثير من الأفكار والمشاريع الغربية حول ذلك، ولكني لم أجد اقتراحات بعد من المسلمين. لذلك أول ما علينا فعله هو فتح نقاش، والقيام بعصف ذهني لايجاد طرق عملية يمكننا المساهمة بها.

ولكن بشكل مبدأي، يمكن لأي شخص أن ينضم للجمعيات المتوافرة حالياً والمعنية بالأهداف العالمية، الجمعيات الخيرية، البيئية، التعليمية، الصحية…الخ. وهي متوافرة في كل البلدان، الاسلامية وغير الاسلامية. وكون الأولى بالمعروف هم الأقرب فالأقرب، فابحث عن المشاريع في البلد التي تعيش فيه، لا أقول لك أن تسافر إلى افريقيا وتساعد الفقراء هناك.

بالنسبة للمغترب، مشاركتك لها أيضاً هدف إعلامي دعوي، تعاملك وتطوعك مع غير المسلمين، سيسمح لهم برؤية أخلاقك وقيمك، فإن الدعوة بالعمل أبلغ من الدعوة بالكلام، فضلاً عن أن  المشاركين من غير المسلمين يصبحون متقبلين للمسلمين بشكل أكبر. ونحن بحاجة إلى هذا التقبل، في الوقت الذي نرى المجتمع الغربي محتقن ضد المسلمين.

أريد أن أنوه أن المساعدة الأقل أثراً وأهمية برأيي هو التبرع، له أهميته في البداية، ولكنها محدودة. فالتبرع هو ما تفعله عادة عندما لا تستطيع (أو لا تريد) أن تفعل شيئاً. التطوع والعمل بنفسك هو ما سيخدم الهدف على المدى البعيد حقيقة. فالطريقة المثلى لمحاربة الفقر هي “تعليم الصيد، وليس اعطاء سمكة“. ومن أجمل الأمثلة على ذلك جمعية البركة في دمشق.

كما أنبّه أن الأهداف لا تتعلّق فقط بمكافحة الجوع والفقر، وإنما أيضاً بالصحة، التعليم، تأمين مياه نقية وصرف صحي، المحافظة على البيئة، وعدة أهداف أخرى… ولكل شخص اهتمام أو خبرة بموضوع أكثر من الآخر… فاختر المجال (أو المجالات) التي تريد التأثير بها، وابدأ العمل اليوم!

GG-Goal-4_poster-900x900

الأفكار السلبية التي تقتل فاعليتنه

( الجزء الأول والجزء الثاني )

عندما قرأت عن الأهداف العالمية التي وضعتها الأمم المتحدة، شعرت بالتفاؤل بقدرتنا على إنجازها، ولكن شعرت أكثر بالقلق من ردات الفعل التي سأواجهها في حال تحدثت عن الموضوع!

لذا سأذكر بعض الأفكار السلبية التي قد تمنعنا من المشاركة بهذه المبادرة العالمية، وأرد عليها، كي نقتنع بالمشاركة، ولكي يكون الرد على من يحبطنا جاهزاً.

—————————————

طبعاً أول مشكلة  تحدثت عنها في الجزء الثاني، وهي أنه من المستحيل القضاء على الجوع والفقر!
الفقر والمجاعات ليست شيء أساسي في تكوين المجتمعات البشرية، صنعها البشر بسبب قراراتهم في التعامل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ويمكن أن يتخذوا قرارات معاكسة تمحق هذا الفقر! ولابد أن هذه الحجة قيلت نفسها في العبودية، أن “العبودية مكوّن أساسي للمجتمعات البشرية ويستحيل التخلص منها”… وها نحن نعيش في مجتمع لم يعرف العبودية منذ عدة أجيال!

ثم ما الذي نخشاه؟ أن نقضي على نصف الفقر فقط والعياذ بالله؟!

ألم نقرأ قول الله تعالى للملائكة: “إني أعلم ما لا تعلمون”
ربما يكون في علم الله أن البشرية ستتخلص من مشاكلها واحدة تلو الأخرى، جيل يتلو جيل، العبودية ثم الفقر ثم الحرب ثم المرض، ولا يكون سفك الدماء ولا الإفساد في الأرض هي السمة المميزة للإنسانية بعد ذلك.

—————————————

قد يزعم أحدهم أن سبعة مليار إنسان عدد كبير، لا يمكن للأرض أن تُنبت ما يطعمهم جميعاً… وهذا زعم يتجاهل أن مشكلة الطعام الأساسية اليوم ليس في الكمية، وإنما في سوء التوزيع والتخزين!  50% من الطعام في العالم يلقى مع النفايات، بسبب سوء التخزين في الدول النامية، والإسراف في الدول المتقدمة، بالإضافة إلى أن هناك أناس يموتون من التخمة بدل الجوع. كما أن التوقعات تقول أن الأرض يمكن أن توفر الطعام الوفير لعدة مليارات شخص جديد باستخدام وسائل الزراعة الحديثة، والتي مازالت تتطور.

—————————————

مشكلة أخرى، هي نظرتنا لغير المسلمين،  نظرة طفولية سطحية جداً، نظرة الأبيض والأسود دون الرمادي!

لكن في الحقيقة أن هناك صراع بين غير المسلمين، فطرف يجر الحبل لمصالحه الشخصية (أو لمصالح فئة معينة)، بينما الطرف الآخر يجره للخير والمصلحة الإنسانية.
فهل سنساعده ونحاول ترجيح الميزان للطرف الذي يرضي الله تعالى؟

المزيد عن هذه الفكرةفي هذا المقال.

—————————————

في وعي بعض المسلمين نظرة متشائمة نحو المستقبل، تنبع من تفسيرات لأحاديث معينة، كحديث “خيرُ الناسِ قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”، يستخدمون الحديث كشماعة يعلّقون عليها مشاكل الأمة، “كل جيل سيكون أسوء ممن قبله”، “لا فائدة من العمل بعكس القدر”، “قالها النبي… هل تكذب النبي يا كافر؟”
ثم تتعزز  تلك النظرة التشاؤمية بفهم خاطئ لبعض الأحاديث التي تذكر أشراط الساعة، مثل حديث “يتطاولون في البنيان”، والاستنتاج من ذلك يكون “أننا في آخر الزمان، ولن يخرجنا من مشاكلنا إلا خروج المهدي ونزول المسيح (عليه السلام)”.  

ليس هناك مجال لأفند هذه الأحاديث والنظرة السلبية الجبرية للمستقبل، فهي بحاجة إلى كتب ومجلدات. ولكن أرجو أن نعي أن هناك فهم آخر لهذه النصوص، وأن هذه النظرة هي معاكسة لكل ما جاء به الاسلام من حث على العمل والإيجابية في التعامل مع الأحداث، ويكفي هذا الحديث لدحض ذلك الفهم كله: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”

—————————————

“تكفينا مشاكلنا”، “عندنا ما يشغلنا”، “ليس الآن وقت التركيز على موضوع كهذا”،  “ألا ترى ما يحدث في سوريا، وفي مصر واليمن والعراق، ومع إيران واسرائيل، وللاجئيين حول العالم”
طبعاً غالباً من يقول ذلك يجلس في بيته ولا يفعل شيئاً! 

وفوق ذلك، هناك من يزعم أن الآن وقت التركيز على اصلاح أنفسنا (كأفراد)، نصلي ونصوم ونتعبد، أو ندرس ونجتهد، حتى نقوي أنفسنا ثم نلتفت إلى اصلاح غيرنا. ولازلنا نحاول منذ عدة قرون، ولم نتعلم بعد أن اصلاح النفس يدوم طيلة حياة الإنسان جنباً إلى جنب مع إصلاحه للدنيا وإعمارها، وكأن المشاركة بعمل اصلاحي جماعي سيمنعنا من اصلاح أنفسنا بدل أن يشجعنا على ذلك!

بداية لا أطلب ممن يقاتل في سوريا مثلاً، أن يترك ذلك ليشارك في حملة كهذه. بل أوجه كلامي لمن لا يصدر منه إلا قول دون فعل (خاصة على الفيسبوك)، وربما اذا أحب أن يتفضّل على الأمة، يتبرع بمبلغ بسيط! ثم يعود للخمول والراحة والتنظير، وقد ظن أنه أدى ما عليه!

علينا ألا ننسى أن نسبة كبيرة من الفقراء في العالم، هم من المسلمين أساساً! وعلينا أن نفكر بالذين يستغلون هذا الفقر لدعم حملات التبشير والتنصير والتشييع، غيابنا عن الساحة يعني تأثير أكبر لهؤلاء، في حين يمكن أن نستغل هذه الفرصة لصالحنا ونقلبها إلى حملات توعية ودعوة.

—————————————

أختم بالفكرة التالية… هل يجوز لنا كمسلمين، أن نرى البوذي والمسيحي واليهودي والملحد (وغيرهم ممن نسميهم بالمشركين والكفار)، يجتمعون لحل المشاكل ورفع الظلم في العالم… ونحن جالسون نتفرج؟ هل من المنطقي لخلفاء الله في الأرض أن يكونوا بهذه السلبية؟ هل يعقل لـ”خير أمة أخرجت للناس” ألا تتحرك لتكون أول المصلحين؟

بقي الجزء الأخير من المقال، عن الخطوات العملية للمساهمة في هذه الأهداف العالمية.

Innovation 900x900

مستقبل قريب مشرق… الأهداف العالمية الجديدة

في مستقبل قريب قادم، سيأتي حفيدك ويسأل عن جيلك، ماذا فعلوا؟ كيف قضوا حياتهم؟
أظنك ستلتفت إليه وتقول بثقة: “لقد فعلنا ما لم يستطع أحد أن يفعله قبلنا… لقد فعلنا ما عجز جيل الصحابة عن تحقيقه، أو أي جيل أو ديانة أخرى في تاريخ العالم !! “ 

نعود إلى الحاضر، أيام الحج 2015، وقد اقتربت وقفة عرفة.
ولكن اقتربت معها وقفة أخرى، يزيد عدد البشر فيها عن مليوني شخص، بل ربما عن ملياري شخص!
وقفة قد تدخل كتب التاريخ كأحد أهم لحظات الإنسانية.
ولدينا كمسلمين خيارين: إما أن نقف معهم أو على الهامش 

خلال أيام العيد، سيجتمع حكام (أو ممثلو) معظم دول العالم لمناقشة الأهداف العالمية التي وضعتها منظمة الأمم المتحدة، والتي ينوون تحقيقها خلال 15 سنة في عام 2030. وهي ثلاثة أهداف رئيسية:

1- القضاء على الفقر المدقع نهائياً
2- محاربة الظلم الاجتماعي
3- إصلاح التغيرات المناخية والضرر البيئي

طبعاً ذلك الشيطان في داخلك بدأ يتهيأ للهجوم، تلك النزعة والتحيّز للسلبية تتقد، “مستحيل”  “أحلام طفولية”
لكن الحقيقة أن “كل شيء مستحيل، إلى أن يحدث
تذكرني هذه بحادثة قديمة، حيث أصدرت صحيفة أمريكية مقالاً يستهزئ بمن يحاولون اختراع الطائرة، وعرضت تحليل العلماء الذين رأوا أن العلم بحاجة إلى ألف سنة من التطور لنصل إلى مرحل الطيران. ولكن في نفس السنة تم اختراع أول طائرة، وبالقرب من مقر هذه الصحيفة.

لقد نقصت نسبة الفقر المدقع إلى الربع تقريباً منذ الستينات، والتوقعات العلمية تدل على أن الجوع والفقر سينقرض قبل 2100، وجزء من ذلك يعود إلى تسارع التطور العلمي في الطاقة والزراعة، لكن يبقى علينا أن نسارع في القضاء على الجوع والفقر ليس إلا !
بل إن بقينا متجهين بنفس المسار والسرعة كالعقد الماضي، سينتهي الجوع والفقر المدقع بحلول عام 2030 بجميع الأحوال.
المزيد عن ذلك كان في الجزء الأول من المقال

لا شك أن الكثير من الاجتماعات الدولية لا تحقق أهدافها، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بتضارب المصالح الدولية. ولكن الكثير من دول العالم -بالتضامن مع الأمم المتحدة- استطاعت أن تحقق تقدماً كبيراً منذ أن وضعت أهدافها في بداية الألفية، وتم مساعدة عدة مليارات شخص فقير حول العالم، وهذه السنة سيتم وضع الخطة النهائية لتحقيق هذه الأهداف.

فإن كنت تريد أن تقف هذه الوقفة العالمية الإنسانية… وإن كنت تريد أن تقول لحفيدك “نحن الجيل الذي قضى على الفقر والجوع في العالم تماماً، لم يسبقنا إليه أحد”… فتابع قراءة الجزء الثالث من المقال!

سأعرض بعض الحجج ونقاط سلبية قد تخطر في بالك، والرد عليها، ثم الخطواط العملية للمشاركة في هذه الأهداف العالمية.

 gg-1_Instagram-900x900

التحيّز للسلبية وفهمنا لما يحدث عالمياً

التحيز للسلبية
مصطلح من علم النفس، يدل على ميل الإنسان إلى التركيز على الأمور السلبية وتضخيمها، ومنها تنبع نظرته السوداوية للدنيا وتوقعاته المتدنية لها. 
وبالنسبة للمسلمين، فثقافتهم وفهمهم السيء للدين، بالإضافة إلى عانوه من مشاكل كثيرة في القرون الأخيرة، ضاعف هذا التحيّز أضعافاً مضاعفة.

95%
هذه هي النسبة التي أجابت بطريقة سلبية جداً على استبيان نشرته منذ أيام.
لا أزعم أن هذه الدراسة البسيطة ترتقي إلى الطرق الإحصائية البحثية المثلى، ولكنها تعطي انطباعاً عاماً عن المجتمع حولنا، لاسيما أن من أجاب على هذا الاستبيان معظمهم طلاب جامعيون (ومن المثقفين)، بل من العرب الذين يقضون جل وقتهم في متابعة الأخبار والتحليلات السياسية، ويعتبرون أنفسهم ممن يفهم بالسياسة والأوضاع الدولية والمخططات الغربية أكثر من غيرهم.

سألت في هذا الاستبيان عن بعض المشاكل العالمية، وكيف تغيرت خلال العقود القليلة الماضية: نسبة الفقر، نسبة المجاعة، نسبة التعليم، نسبة الذين يحصلون على ماء نقي للشرب وصرف صحي مقبول.

معظم من أجاب يظن أن هذه المشاكل زادت عن 30% خلال العقود الثلاثة الماضية، فما هي النسب الحقيقية؟

الحقيقة أنه منذ بدء الألفية الجديدة… أي منذ 15 سنة فقط… حدث ما يلي:

  • نقصت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر العالمي 50% ، أي وصلت إلى النصف.
  •  تم تأمين مياه شرب نقية آمنة إلى حوالي ملياري شخص جديد حول العالم.
  • تم تأمين تعليم أساسي لأكثر من 40 مليون طفل جديد.
  • التطور العلمي مازال يتسارع بشتى المجالات، مما ساعد على سقوط دكتاتوريات، نشر العلم، الوقاية الأفضل من الأمراض، الدخول في بداية عصر الاعتماد على الطاقة النظيفة، ردات فعل أفضل تجاه الكوارث الطبيعية، وغير ذلك الكثير…

وبالنظر إلى المؤشرات الدولية، مثل Legatum Prosperity Index، نجد أن مؤشرات الازدهار الدولية تتزايد في معظم الدول، وفي شتى المجالات (التعليم، الصحة، الحالة الاجتماعية من حريات ومساواة، الاقتصاد، الخ)، عدا عن بضع دول عربية واسلامية عانت من أزمات حادة خلال الربيع العربي، وبعض الأمور مثل الاحتباس الحراري وعدد المهجّرين واللاجئين عالمياً.

كما أن الفجوة الكبيرة بين البلدان المتقدمة والنامية -التي رآها أجدادنا وآبائنا- لم تعد موجودة بشكل واضح (عدا بعض الدول العربية والافريقية)، فالكثير من البلدان التي كانت تعتبر نامية سبقت بعض الدول التي نعتبرها متقدمة!

إن كانت هذه المعلومات مفاجئة بالنسبة لك… وإن كانت بدأت تبث روح الإيجابية والتفاؤل في قلبك… فانتظر حتى تقرأ البقية… فهناك مفاجأة رائعة لك…… اقرأ الجزء الثاني من المقال هنا   

فلنحيينه حياة طيبة

هذا المقال تتمة لمقالي السابق عن السعادة: 

إن لم تكن سعيداً… إيمانك غير صحيح!

https://angelanas.com/2015/09/10/happy-or-else/

ورد في سورة النحل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)

البعض يستخدم هذه الآية كدليل على أن الإيمان يؤدي إلى السعادة حتماً… 

بداية، الإيمان غير كافي هنا، وإنما اقترن بالعمل الصالح… والعمل الصالح في الإسلام متعدد ويشمل نواحٍ كثيرة… والإسلام يحض على التوازن بين الحاجات الإنسانية كما ذكرت في المقال السابق… 

وبالتالي استناداً على هذا الفهم، لا أرى الآية تتعارض اطلاقاً مع فكرة أن الإيمان لوحده لا يؤدي إلى السعادة… يحتاج إلى العمل الصالح أيضاً الذي حدده الإسلام…

ثانياً، إن هذا المعنى مبني على افتراض أن حياة طيبة هنا تعني حياة سعيدة… 

وعلى افتراض أن هذه الحياة الطيبة هي في الدنيا وليس الآخرة…

وعلى افتراض أن هذا القانون مطلق، ليس له شواذ كمعظم القوانين…

بالرجوع إلى التفاسير… هناك قول أن هذه الحياة الطيبة تعني الحياة السعيدة، ولكن هناك أقول كثيرة أخرى… 

منها الرزق الحسن، القناعة، الحياة المتصلة بالله، الحياة المليئة بالطاعة، حلاوة الطاعة، الانشراح للعبادة، الحياة المنتجة المثمرة (طَابَتِ الأَرْضُ : أَخْصَبَتْ)… ومنها أن هذه الحياة الطيبة هي الحياة السعيدة في الآخرة… 

—————

بالنسبة للآية الثانية: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) سورة طه

وهي الآية التي تستخدم للدلالة أنه لا سعادة من دون إيمان (بمعنى الإيمان المعرّف بالإسلام طبعاً)، وهذا التفسير يشكل مشكلة كبيرة بين النظرية، وبين الواقع المعاش… حيث نرى الكثير من غير المسلمين الذين يصفون حياتهم بالسعيدة.

بالرجوع إلى التفاسير أيضاً… 

ذكري هنا تعني الكتاب غالباً… 

المعيشة الضنك هنا يمكن أن تعني الحياة ضيقة مشقة، ولكن هناك أقول أخرى: منها أنها عذاب القبر (رأي عدة من الصحابة)، أو عدم الاطمئنان، حيرة وشك، الحياة في النار، الكسب الخبيث، عدم القناعة، ذهاب الخير من الرزق، العمل السيء 

وأظن أنه من الأولى أن نأخذ بالمعاني الأخرى، عندما نرى تعارض المعنى الأول مع ما نراه حولنا…

——————-

بإمكانك أن تشترك بقناة نقرات شحرور من أجل المزيد على هذا الرابط…

https://www.youtube.com/c/AngelAnasBlackBirdPecks

ومتابعتنا على صفحة الفيس بوك هنا…

https://www.facebook.com/BlackBirdPecks

 

إن لم تكن سعيداً… إيمانك غير صحيح!

حلقة السعادة والإيمان على قناة نقرات شحرور

إن لم تكن سعيداً… ففي إيمانك خلل!

بل إن لم تكن سعيداً… قد لا تكون مؤمناً أساساً!

هذه هي الرسائل المغلّفة (غير المباشرة) التي تصلنا عندما يتكلمون عن السعادة… أن السعادة الحقيقة تنبع من الإيمان بالله… أن المؤمن الحقيقي سعيد في أي ظرف من الظروف… ودون أن يقولولها حرفياً، ولكنك تستنتج أن ذلك يعني أنك غير مؤمن… على الأقل ليس على المستوى المطلوب…

لكنني قررت اليوم أن أخرج عن صمتي…. وأن أقول أن هذا كلام ساذج وسخيف… أرجو أن تكفوا عن احباط الناس فوق كل ما يعانونه من ظلم ومرض وقهر ومصائب…

——————————————

هاهي أم قد فقدت ابنها، تحاول أن تقنع نفسها أن الله سيعوضها خيراً…  فتصلها الرسالة: لست مؤمنة بما فيه الكفاية

سجين يُعذَّب كل يوم، يقضي وقته ما بين صراخ وأنين، وربما بعض الساعات من فقدان الوعي… نقول له إن لم تكن سعيداً في وضعك هذا، فلست مؤمناً بحق

مريض، يعاني من مرض جسدي، أو ربما مرض نفسي كالاكتئاب، يصبر على مرضه… ولكننا نقول له لا يكفي… إيمانك ناقص رغم كل هذا…

من أين أتوا بهذه النظرة؟ كيف قرروا أنه لا ايمان بدون سعادة، ولا سعادة بدون ايمان؟؟؟  هل هي مجرد دعاية اعلامية ساذجة ترى السعادة ذات بعد واحد، تماماً كالدعايات التي تصور السعادة بسيارة فارهة أو شعر ناعم جميل؟

——————————————

لا أحد يختلف أن أعلى درجات الإيمان كانت للأنبياء عليهم السلام… فدعوني أسأل :

هل كان نوح سعيداً عندما رأى ابنه يغرق؟

هل كان يونس سعيداً عندما ابتلعه الحوت؟

هل كان أيوب سعيداً في مصيبته التي دامت عقوداً؟

هل كان ابراهيم سعيداً حين كان يحضّر ابنه للذبح؟

هل كان موسى سعيداً حين رأى قومه ضلوا وعبدوا العجل؟

هل كان لوط وصالح وهود يشعرون بتلك السعادة الغامرة، وقومهم يصدونهم عن الدعوة؟

عليهم السلام جميعاً… مستحيل أن يقول عاقل نعم…

هل كان محمد -عليه الصلاة والسلام- سعيداً في عام الحزن؟

أم عندما كان يرى الصحابة يعذبون؟ أو خلال حادثة الإفك؟

ربما حين قال “وإن القلب ليحزن… وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون”؟

قد تقول: “هذه لحظات قليلة من حياة مليئة بالسعادة”

لماذا لا تقول ذلك إذن لمن يقول أن سعادة الإيمان تغلب كل الظروف… حتى لو كنت في المنفردة… نعم، ولو كنت مسجوناً داخل المنفردة تعذّب لعقود، قبل أن تموت فيها…. عليك أن تكون سعيداً مع ذلك… 

هل عليّ أن أضرب أمثلة أكثر من ذلك؟ 

——————————————

ربما يخلطون ما بين السعادة، وما بين الطمأنينة… الطمأنينة بأن هذه المصائب ابتلاء من عند الله، لن يأتي منها إلا خيراً في الدنيا أو الآخرة (أو الاثنين معاً)…. 

هناك فرق بين السعادة والطمأنينة… وهو ما يجعل هناك توافق تام بين “وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون” وبين “ولا نقول إلا ما يرضي ربنا”. نقول ما يرضي ربنا، لأننا نعلم أنه في نهاية الأمر الله سيرضينا… ولكن ذلك عند النهاية… أما الآن فلا مجال إلا للحزن، لأن هذه رحمة الله وضعها في قلبنا، هذه المشاعر التي جبلنا عليها…

——————————————

نتجاهل كعادتنا، أن هناك من غير المسلمين من يعيشون حياة سعيدة، منهم ذو ديانات سماوية أخرى يؤمنون بالله (بطريقتهم المحرّفة)، ومنهم من ديانات وثنية، ومنهم بلا دين أساساً.

ونتجاهل حديث مثل: مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ (مسند أحمد)

ونتجاهل أن المسلمين كالجسد الواحد، وكلما زاد إيمانك، زاد حزنك على ملايين السوريين وغيرهم، الذين يعانون كل يوم.

واذا كانت السعادة في الإيمان والصلة بالله… فلماذا جائزة أهل الجنة أنهم لا يحزنون؟ المفروض أنهم لم يعرفوا الحزن في الدنيا… 

ولماذا لا تكون الجنة إذاً مجرد أرض خالية، نقف فيها في صلاة وتسبيح أبدي، مادامت السعادة في الصلة بالله فقط؟

——————————————

أنا أؤمن أن أفضل طريق للسعادة هو الإسلام (وليس الإيمان)… وهذه الجملة اخترتها بعناية…

فبداية الإسلام أفضل طريق، ولكنه ليس الوحيد الذي يؤدي إلى السعادة (الدنيوية).

ثانياً، اتباع الاسلام لا يضمن السعادة، عدم وجود السعادة ابتلاء آخر من الله، ليس دليل على قلة إيمانك.

ثالثاً، الاسلام -وليس الإيمان- هو طريق السعادة… لأن الاسلام دين متوازن، لا يتجاهل الحاجات الجسدية والنفسية والاجتماعية والعاطفية والعقلية على حساب الحاجة الروحية…

——————————————

السعادة ليست ذو بعد واحد… السعادة تأتي عند تحقيق توازن بين هذه الحاجات الإنسانية جميعها… القدر الأدنى من الطعام والأمن والصحة، التحفيز العقلي، التواصل الاجتماعي، الأسرة المتماسكة، الإنجازات الفردية، العطاء والبذل للآخرين، بالإضافة إلى سد الحاجة الروحية. 

كما أن معادلة التوازن هذه تختلف ما بين شخص وشخص، إما بسبب التعوّد على نمط حياة محدد، أو بسبب الجينات والبيولوجيا… مما يجعل القدر المطلوب من كل واحدة مخلتف… فحاجات المرأة العاطفية قد تكون أكبر من الرجل، والمقعد منذ الصغر قد يتعوّد على ذلك أكثر ممن أقعد كبيراً، ومن عاش صغره غنياً لا يمكن أن يعيش في سعيداً في بيت قش في الصحراء…

——————————————

تبقى اشكالية واحدة، هي الآية التي ذكرت “فلنحيينه حياة طيبة”، والآية التي ذكرت “فإن له معيشة ضنكة”… لن أطيل عليكم هنا أكثر، سأضع شرح وتحليل هاتين الآيتين وعلاقتهما بموضوعنا في مقال آخر. وهذا الرابط:  https://angelanas.com/2015/09/10/goodlife

بإمكانك أن تشترك بقناة نقرات شحرور من أجل المزيد على هذا الرابط…

https://www.youtube.com/c/AngelAnasBlackBirdPecks

ومتابعتنا على صفحة الفيس بوك هنا…

 https://www.facebook.com/BlackBirdPecks